الشباب أبعد ما يكون عن السياسة

يشكل عزوف الشباب الجزائري عن العملية السياسية معوقا أساسيا عن قيادة إصلاحات عميقة وجذرية في البلاد خاصة مع الفرصة التاريخية التي وفرها الربيع العربي لشعوب المنطقة، وهذا وإن كان معقولا بالنظر إلى عمليات التزوير الواسعة خلال المحطات الانتخابية الماضية إلا أنه يبقى من بين أبرز معوقات الإصلاح.
لقد مارست الإرادة السياسية في البلاد على مر عقود من التعددية التي حملها دستور1988 كل أشكال التزوير والالتفاف على إرادة الناخب الجزائري، وبدا ذلك جليا بعد توقيف المسار الانتخابي عقب فوز الجبهة الإسلامية للإنقاذ بغالبية الأصوات، وتبديل فوز حركة مجتمع السلم برئاسيات 1995 بمرشح النظام اليمين زروال، وزوّرت تزويرا سافرا ليحلّ الحزب الوليد “التجمع الوطني الديمقراطي” أولا في انتخابات 1997!هذا الفعل، دفع بالشباب الجزائري إلى الكفّ عن ممارسة الحق الانتخابي، واعتزال العمل السياسي برمّته، فلافائدة – في رأيه – من صوت يتم تزويره، وإرادة يراد لها غير مراده! فتراجعت نسب المشاركة إلى مستويات كارثية لم تكن تتعدى عتبة 20%.

ولم يكن بالإمكان حمل المسؤولين في البلد عن الكف عن ممارساتهم الدكتاتورية والانفراد بتسيير شؤون الوطن، فالإرهاب الدموي ضرب بقوة في الجزائر بين 1992 إلى أواخر العقد الماضي، وخلف زهاء الـ 160 ألف قتيل وعشرات المئات من المفقودين، ودمار شامل في كل نواحي الحياة الأمنية والسياسية والاقتصادية، ولم يكن هناك من مطلب للجزائريين إلا استعادة الأمن ولو على حساب الفعل الديمقراطي!

وهذا الذي كان، فبعد مرور السنين الطوال تم استرجاع الأمن في ربوع الوطن، لكن لم يكن بالإمكان استعادة حماسة الشباب للعملية السياسية، فشاخت مؤسسات الدولة وقيادة الأحزاب، ولم يعد للشباب وجود إلاّ في الخطاب السياسي الرسمي والحزبي استرضاءً لهم، وهذا لم يكن كافيا لإغراء القوة الأكبر في النسيج الديمغرافي الجزائري لخوض غمار السياسة والدفاع عن الحقوق السياسية والمدنية.

عموما، تنحصر مطالب أغلب الشباب الجزائري في توفير العيش الكريم، فليس أهمّ من وظيفة قارّة تضمن الحاجيات اليومية وسكن فسيح يجمع شمل الأسرة الصغيرة، ويسر في الاستثمار يساعد على بناء مستقبل مشرق.

ولن يكون من السهل مواصلة هذه اللعبة من المسؤول الجزائري: فالعجز عن توفير عيش كريم للشاب الجزائري في ظل سيولة مريحة من البترو- دولار ، والهرب إلى الأمام وكسب مزيد من الوقت لتنفيذ إصلاحات موعودة، ورفع شعارات ديماغوجية فضفاضة لا تنعكس على حياة المواطن. وقد يؤد كل هذا إلا إلى غليان داخلي سرعان ما يتحول إلى : “الشعب يريد …”